(قِصَّةُ أَرْنَبٍ صَغِيرٍ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُفْرِحُ قَلْبَهُ مِنْ جَدِيدٍ
بَعْدَ الفَقْدِ وَالوَحْدَةِ)
مُقَدِّمَة :
هُناك، خَلْفَ سِتارٍ مِنَ القُطْنِ وَالخُيوطِ الُملَوّنَة،
تَنْبُضُ مَدينَةُ الدُّمى بِحِكاياتِها الدّافِئَة
حَيْثُ لُكُلِّ دُمْيَةٍ قِصَّة وَلِكُلِّ قِصَّةٍ قَلْب
فَوْقَ أُذُنَيَّ غَيْمَةٌ
في بَلْدَةٍ صَغيرَةٍ هادِئَةٍ، تُحيطُ بِها التِّلالُ الخَضْراءُ، كانَ يَعيشُ أَرْنَبٌ صَغيرٌ، لَهُ أُذُنانِ طَوِيلَتانِ وَذَيْلٌ مَنْفوشٌ كَكُرَةِ قُطْنٍ، يُدْعى (رِقَاء).
كانَ يَقْضي أَوْقاتَهُ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ صَديقِهِ (سُهَيْمٍ)؛ يَلْعَبانِ في الطُّرُقاتِ، وَيَتَسابَقانِ بَيْنَ حُقولِ الذُّرَةِ الذَّهَبِيَّةِ بِدَرّاجَتَيْهِما، وَيَضْحَكانِ حَتَّى تَمْتَلِئ أَزِقَّةُ البَلْدَةِ بِصَدى ضَحِكاتِهِما.

ذَاتَ صَيْفٍ،،
فاجَأَهُ (سُهَيْم) بِخَبَرِ انْتِقالِهِ إِلى بَلْدَةٍ بَعيدَةٍ.. أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ سَيَعُودُ لِلِقائِهِ مَرَّةً أُخْرى، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُوَدِّعَهُ.
أَرادَ (رِقاء) أَنْ يَقُولَ شَيْئًا، أَنْ يُمْسِكَ بِالصَّداقَةِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَفي… لكِنَّهُ اكْتَفى بِمُعانَقَتِهِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ بِصُعوبَةٍ، ثُمَّ ظَلَّ يُلَوِّحُ لَهُ بِيَدِهِ صَامِتًا، حَتّى تَوَارى صَديقُهُ خَلْفَ التِّلالِ.
وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، ظَهَرَتْ غَيْمَةٌ رَمادِيَّةٌ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَكَأَنَّهَا تَطْفو فَوْقَ أُذُنَيْهِ، لا يَراهَا أَحَدٌ سِواهُ.
جَعَلَتْهُ يَشْعُرُ بِشَيْءٍ ثَقيلٍ في الهَواءِ الَّذِي يَتَنَفَّسُهُ، حَتّى ضاقَ صَدْرُهُ، وَحَجَبَتْ عَنْهُ الضَّوْءَ، فَلَمْ تَعُدِ الأَلْوَانُ مِنْ حَوْلِهِ كَما كانَتْ، وَلَمْ يَعُدْ يَرْغَبُ في اللَّعِبِ أَوِ الضَّحِكِ مَعَ أَحَدٍ، وَنَسيَ دَرّاجَتَهُ الَّتِي كانَ يُحِبُّها.
ظَلَّ يَجْلِسُ وَحْدَهُ عَلى الأُرْجوحَةِ القُطْنِيَّةِ، وَالغَيْمَةُ تَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، وَتُحْجُبُ عَنْهُ الضَّوْءَ شَيْئًا فَشَيْئًا.

وَفي يَوْمٍ شِتوِيٍّ،،
اشْتَدَّتِ الغَيْمَةُ سَوادًا، حَتّى شَعَرَ رِقَاءُ أَنَّ أَنْفَاسَهُ تَضِيقُ، وَكَأَنَّهُ يَخْتَنِقُ.
رَكَضَ دُونَ وِجْهَةٍ، هَرَبًا مِنْهَا… وَبَدَأَتِ الغَيْمَةُ تَرْعُدُ وَتَبْرُقُ وَتُمْطِرُ.
ظَلَّ يَرْكُضُ حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ عِنْدَ شَجَرَةِ السِّنْدِيَانَةِ الكَبِيرَةِ، الَّتِي تَقِفُ شَامِخَةً عَلَى التَّلَّةِ البَعيدَةِ مُنْذُ مِئاتِ السِّنينَ، تُراقِبُ كُلَّ شَيْءٍ في صَمْتٍ.
احْتَمى تَحْتَ أَغْصانِها الكَبيرَةِ، وَدَفَنَ وَجْهَهُ بَيْنَ ذِراعَيْهِ، ثُمَّ أَجْهَشَ بِالبُكاءِ.
أَثْناءَ ذلِكَ، سَمِعَ صَوْتًا حَنونًا هادِئًا، كَأَنَّهُ النَّسيمُ بَيْنَ الأَغْصانِ:
— «أَراكَ يا صَغيري، وَفَوْقَ أُذُنَيْكَ غَيْمَةٌ كَثيفَةٌ».
رَفَعَ (رِقاء) رَأْسَهُ لِيَبْحَثَ عَنْ مَصْدَرِ الصَّوْتِ، وَقالَ بِدَهْشَةٍ:
— «هَلْ تَرَيْنَهَا حَقًّا؟ لَمْ يَكُنْ يَراهَا أَحَدٌ غَيْري!».
ضَحِكَتِ السِّنْدِيانَةُ وَقالَتْ:
— «أَنا شَجَرَةٌ كَبِيرَةٌ يا صَغيري، أَقِفُ هُنَا مُنْذُ مِئاتِ السِّنينَ… وَالغُيُومُ لَا تَمُرُّ دُونَ أَنْ أَلْمَحَهَا».
سَادَ الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا بُرْهَةً، ثُمَّ أَطْرَقَ (رِقَاء) رَأْسَهُ وَقَالَ:
— «اشْتَقْتُ إِلَى صَديقِي كَثيرًا… كَأَنَّ قِطْعَةً مِنّي رَحَلَتْ وَغادَرَتْ مَعَهُ».
— «لِمَ لا تُراسِلُهُ لِتَطْمَئِنَّ عَلَيْهِ؟ اكْتُبْ كُلَّ مَا تَشْعُرُ بِهِ، وَأَخْبِرْهُ كَمْ تَفْتَقِدُهُ».
— «وَما الجَدْوى؟ لَقَدْ رَحَلَ دُونَ عَوْدَةٍ، وَهذِهِ الغَيْمَةُ تَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَخْنُقُني!».
— «يا (رقَاء) كُلُّ غَيْمَةٍ، مَهْمَا عَظُمَتْ، سَتَزُولُ يَوْمًا مَا… جَرِّبْ أَنْ تَكْتُبَ، وَتَلْهُوَ مَعَ أَقْرانِكَ، وَتَسْتَمْتِعَ بِهَواياتِكَ. رُبَّمَا تَنْقَشِعُ الغَيْمَةُ، وَيَسْعَدُ قَلْبُكَ مِنْ جَديدٍ».

في تِلْكَ اللَّيْلَةِ،، جَلَسَ (رِقاء) في الشُّرْفَةِ، وَكَتَبَ لِصَديقِهِ بِطاقَةً بَرِيدِيَّةً، ثُمَّ دَوَّنَ في مُذَكِّراتِهِ كَلِماتٍ لَمْ يَسْتَطِعِ البَوْحَ بِها لِأَحَدٍ.
وَحينَ انْتَهى، شَعَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الارْتِياحِ… دَسَّ البِطَاقَةَ فِي جَيْبِ سُتْرَتِهِ بِسَعادَةٍ، لِيَضَعَها غَدًا فِي صُنْدُوقِ البَريدِ.

وفي يَوْمٍ ما…
زارَهُ جارُهُ الجَديدُ (نَديم)، أَشارَ إِلى الثَّلْجِ المُتَراكِمِ فِي الخارِجِ، وَقَالَ بِحَماسٍ:
— «هَلْ تُحِبُّ أَنْ نَصْنَعَ مَعًا رَجُلَ ثَلْج؟»
نَظَرَ (رِقاء) إِلَى الخارِجِ، تَرَدَّدَ قَليلًا، ثُمَّ ابْتَسَمَ وَقالَ:
— «نَعَمْ، أُحُبُّ ذلِك، هَيَّا بِنا».
بَعْدَ وَقْتٍ قَصيرٍ كانا يُدَحْرِجانِ كُراتِ الثَّلْجِ، وَيَضْحَكانِ مَعًا.
ضَحِكَ (رِقاء) ضَحْكَةً خَفيفَةً، وَبَدا أَنَّ جُزْءًا صَغيرًا مِنَ الغَيْمَةِ صارَ أَفْتَحَ لَوْنًا.

أَتى الرَّبِيعُ…
وَ(رِقاء) مازالَ يَتَذَكَّرُ حَديثَ السِّنْدِيانَةِ..
بَدَأَتْ أَيّامُهُ تَتَغَيَّرُ شَيْئًا فَشَيْئًا…
حَضِّرَ شَطيرَتَيْنِ لِيَتَناوَلَهُما مَعَ صَديقِهِ (نَدِيم)، لعِبَ مَعَهُ كُرَةَ السَّلَّةِ ، خَرَجا في نُزْهَةٍ بَيْنَ طُرُقاتِ البَلْدَةِ.

سَارَعَ -يَوْمًا- لِيُساعِدَ دُمْيَةً صَغيرَةً تَعَثَّرَتْ وَتَنَاثَرَتْ أَزْرَارُهَا ، حَمَلَ بَعْضَ المُشْتَرَياتِ إِلى جِيرانَهُ، سَقى الزُّهُورَ مَعَ نَدِيمٍ، وَشَارَكَ الأَطْفالَ أَلْعابَهُمْ في ساحَةِ الْبَلْدَة.

وَحينَ يَكُونُ وَحْدَهُ، كانَ يَجْمَعُ قِطَعَ التَّرْكِيبِ وَيُصَمِّمُ مُجَسَّماتٍ جَميلَة، وَيَدَوِّنُ فِي مُذَكِّراتِهِ يَوْمِيّاتِه، وَيَذْهَبُ إِلى المَكْتَبَةِ لِيَقْرَأَ القِصَصَ الَّتي يُحِبُّهَا.
حَتّى دَرّاجَتَهُ القَديمَةَ… أَخْرَجَها مِنْ مَكانِها، وَمَسَحَ عَنْها الغُبارَ.
وَمَعَ كُلِّ شَيْءٍ جَميلٍ يَفْعَلُهُ، وَكُلَّ لَحْظَةٍ يَسْتَمْتِعُ بِها…
كانَتِ الغَيْمَةُ تُصْبِحُ أَفتح لَوْنًا وَأَصْغَرَ حَجْمًا.

عادَ الصَّيْفُ…
أَصْبَحَتِ الأَجْواءُ دافِئَةً، جَلَسَ (رِقاء) عَلَى الأُرْجوحَةِ القُطْنِيَّةِ، مَرَّ (نَديم) وهو يَقودُ دَرّاجَتِهِ الهَوائِيَّةِ الجَديدَة.
-قال (نَديم) مُشاكسًا: « ما رَأْيُكَ في دَرّاجَتي؟ أَسْتَطيعُ أَنْ أَسْبِقَ بِها الرّيح»
– رَدَّ عَلَيْهِ (رِقَاء) مازِحًا: «أَيُّها المُتَباهي سَتَرى مَنْ يَسْبِقُ دَرّاجَتَك»
– (نَديم): « حَقًّا؟ .. لِنَرى مَنْ سَيَصِلُ أَوَّلًا إِلى آخِرِ حَقْلٍ في الْبَلْدَةِ»
لَمْ يَتَرَدَّدْ (رِقاء) لَحْظَةً في قُبولِ التَّحَدّي… وافَقَ بِحَماسٍ.
تَسابَقَا بَيْنَ الطُّرُقَاتِ حَتَّى وَصَلا إِلى حُقولِ الذُّرَةِ الذَّهَبِيَّةِ وَهُما يَضْحَكانِ، بَلْ امْتَلَأَتِ البَلْدَةُ بِصَدى ضَحِكاتِهِما.

وَفَجْأَةً، شَعَرَ (رِقاء) بِدِفْءِ الشَّمْسِ فَوْقَ رَأْسِهِ.
نَظَرَ إِلَى أَعْلَى…
كانَتِ الغَيْمَةُ قَدِ اخْتَفَتْ.
تَوَقَّفَ هُناك،، الْتَفَتَ إِلَى السِّنْدِيانَةِ البَعيدَةِ، ثُمَّ ابْتَسَمَ مِنْ قَلْبِهِ ابْتِسامَةً صافِيَةً لَمْ يَعْرِفْها مُنْذُ زَمَنٍ.
لَقَدْ عاشَ لَحْظَتَهُ بِكامِلِ قَلْبِهِ.
نَظَرَتِ السِّنْدِيانَةُ إِلَيْهِ مِنْ بَعيدٍ، وَرَأَتِ السَّماءَ فَوْقَهُ صافِيَةً تماما…
لَقَدِ انْقَشَعَتِ الغَيْمَةُ وَتَلاشَتْ، وَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ سِوى زائِرٍ عابِرٍ…
النِّهَايَةُ









اترك رد