مِنْ سِلْسِلْةِ مَدينَة الدُّمى
(قِصَّةٌ عَنْ التَصالُحِ مَعَ النَّفْسِ و تَقْديرِ الذَّات)
مُقَدِّمَة :
هُناك، خَلْفَ سِتارٍ مِنَ القُطْنِ وَالخُيوطِ الُملَوّنَة،
تَنْبُضُ مَدينَةُ الدُّمى بِحِكاياتِها الدّافِئَة
حَيْثُ لُكُلِّ دُمْيَةٍ قِصَّة وَلِكُلِّ قِصَّةٍ قَلْب
خُطى.. لا تُشْبِهُ أَحَدًا
في كُلِّ مرَّةٍ تَصْطَفُّ الطّالِباتُ في طابورِ الصَّباحِ، كانَتْ (خُطَى) تَظَلُّ دائِمًا في الخَلْف،
لَيْسَتْ لِأَنَّها بَطيئَةٌ… بَلْ لِأَنَّها لَمْ تَكُنْ تُحِبُّ أَنْ تُرى.

كانَتْ تُحاوِلُ أَنْ تَمْشي كَزميلَتِها (تَطْرِيز) الّتي تَخْطو بِثِقًة.

أَوْ أَنْ تَضْحَكَ مِثْلَ (خِيطَان) الّتي يَلْتَفُّ حَوْلَها الْجَميع.

أَوَأَنْ تَتَحَدَّثَ مِثْلَ (لَمَّاعَة) الَّتِي لَا يُقَاطِعُهَا أَحَدٌ.

وَفي كُلِّ مَرَّةٍ تَفِيقُ مِنْ أَوْهَامِ التَّقْلِيدِ، تَشْعُرُ بِالحَيْرَةِ وَالضَّجَرِ، كَخَيْطٍ مُرْتَخٍ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُحَاكُ، كَانَتْ خُيُوطُ قَلْبِها تَتَشابَكُ كُلَّمَا شَعَرَتْ بِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ مَنْ حَوْلَهَا.
وَعِنْدَما تَعُودُ إِلى البَيْتِ تُطِيلُ النَّظَرَ إِلى المِرْآةِ، تَبْحَثُ عَنْ صُورَةٍ تُرْضِي قَلْبَها الصَّغِيرَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ شَخْصًا آخَرَ، أَيّ شَخْصٍ… إِلَّا نَفْسَها.

،،،
ذاتَ صَباح، رَسَمَت المُعَلِّمَةُ (شَريطَة) دائِرَةً كَبيرَةً عَلى السُّبّورَةِ، وَكَتَبَتْ داخِلَها:
(مَنْ أَنْت حِينَ لَا تُقارِنُ نَفْسَك بِأَحَدٍ؟)

صَمَتَ الجَمِيعُ ثُمَّ انْهَمَكُوا في التَّفْكيرِ وَالكِتابَةِ،
حينَهَا تَحَرَّكَ شَيْءٌ صَغيرٌ في قَلْبِ (خُطَى).

وَعِنْدَما عادَتْ إِلَى البَيْتِ، وَقَفَتْ أَمَامَ المِرْآةِ تُفَكِّرُ فِي سُؤَالِ المُعَلِّمَةِ.
قَالَتْ في نَفْسِهَا:
“أَنا لا أَمْشي مِثْلَ (تَطْريز)… لكِنِّي أَقِفُ حينَ يَتَعَثَّرُ أَحَدُهُمْ…
أَنا لا أَضْحَكُ مِثْلَ (خيطَان)… لكِنِّي أَعْرِفُ مَتى تَحْتاجُ زَميلاتي لعِناقٍ يُدْفئُ القَلْبَ…
أَنا لا أَتَحَدَّثُ مِثْلَ (لَمَّاعَة) لكِنِّي أُصْغي لِبَوْحِ الآخَرِينَ بِإِنْصاتٍ…”
،،،

في اليَوْمِ التَّالي، وَزَّعَتْ المُعَلِّمَةُ (شَرِيطَة) وَرَقَةً جَدِيدَةً، وَطَلَبَتْ مِنْ كُلِّ طَالِبَةٍ أَنْ تَكْتُبَ عَنْ نَفْسِهَا دُونَ أَنْ تَذْكُرَ أَيَّ شَخْصٍ آخَرَ.
كَتَبَتْ (خُطَى) جُمْلَةً وَاحِدَةً فَقَطْ:
“أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ أَنَا… وَأَتَعَلَّمُ أَنَّ هَذَا كَافٍ.“
،،،
وفي نِهايَةِ الأُسْبوعِ… عَلَّقَتْ المُعَلِّمَةُ (شَرِيطَة) جَمِيعَ الأَوْرَاقِ عَلى لَوْحَةٍ مِنْ قُماشٍ مُطَرَّز، وَكَتَبَتْ تَحْتَهَا:
(مَنْ يُصَالِحْ نَفْسَهُ… يُصْبِحْ صَدِيقًا لَهَا).
وَقَفَتْ (خُطى) طَويلًا أَمامَها تُفَكِّرُ، كَيْفَ يُمْكِنُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُصَالِحَ وَيُصَادِقَ نَفْسَهُ؟!

في ذلِكَ المَساء نَظَرَتْ (خُطَى) إِلَى المِرْآةِ كَعادَتِها، وَابْتَسَمَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بارتِياح،
أَحَبَّتْ وَجْهَها، وَصَوْتَها الهادِئَ، وَحَرَكَاتِهَا العَفْوِيَّةَ.
هَمَسَتْ وَهِي تَلْمِسُ خَدَّيْهَا:
– “أَنا جَمِيلَةٌ … أَنا رائِعَةٌ… أُحِبُّنِي.”
ثُمَّ اسْتَلَقَتْ في فِراشِها القُطْنِيِّ الدّافِئ، تَتَخَيَّلُ كَيْفَ سَيَكُونُ الغَدُ عِنْدَمَا تَمْشِي.. بِخُطَى لا تُشْبِهُ أَحَدًا.


ماشاء الله جميله جداً 😍
شكرا جزيلا على مرورك اللطيف وتعقيبك