بلبل


“افتحوا نوافذكم ودعوا بلابلكم تغرد”

ذات صباح..

التقيت بها بلا موعد في طريق بارد منعش.. حيث البلابل تغرد بالألحان والزهور تلون جنبات الممشى.. هذا الوجه أعرفه منذ طفولتي الأولى.. كان لقاء سريعا وابتسامة كبيرة تخطف الألباب..  ثم افترقنا كل في اتجاه لكن الابتسامة لم تغادرني.. وظل قلبي منجذبا نحوها.. مرتبطا بطيفها الذي يبعد عني شيئا فشيئا…

وأخذت أفكر في هذا الإحساس الغريب الذي يظل يربطنا بأقاربنا.. وكلما كانوا أقرب رحما كلما كان الإحساس أعمق وأقوى..

اليوم..

أصبحنا حساسين جدا،، وتغيرت معانينا وصارت مفاهيمنا مفاهيم مسلسلات.. سريعا ما تشب فينا العصبية والحمية والعنصرية.. أسهل شيء عندنا أن ندوس على بعضنا وأن نقطع علاقاتنا.. بقلب من حديد وعقل من حجر بحيث أننا إذا غضبنا من شخص فإننا نقطعه أبدا بلا تردد.

متطرفون في مشاعرنا تجاه الجميع.. الأهل.. الجيران.. الزملاء..الأصدقاء.. حتى تجاه أقرب الناس رحما… نحرم أنفسنا من جميل وصلهم ونرضى بالعيش في دائرة الفعل وردة الفعل.. فنبني الحواجز.. ونسن القوانين.. وننهك أنفسنا بسلوكيات نفرضها علينا.. ونقيد حركتنا..

  • لا أحضر عرس ابنة جارتي لأنها ناسبت فلانة التي شتمتني..
  • لا أشارك في احتفال الزملاء لأنهم دعوا فلان .. عدوي وبغيضي..
  • (أطنش) فلان فلا أسلم عليه لأنه لم ينجز معاملتي وتجاهلني ….

والأمثلة في هذا حدث ولا حرج….

والأسوأ من كل ذلك.. الذي يريد كل الناس في صفه تجاه من اتخذه ندا.. فإما أن تكون معه أو تصبح خصمه.. وتبدأ (الشللية) وا(لأحزاب) بسبب أننا ما عدنا نحتمل أن يدوس أحدهم على طرف ثوبنا..

لا أطلب منك أن تكون بلا كرامة.. ولكن لكل شيء حد..

كم من الأبناء دفعوا ثمن هذا السلوك بسبب الآباء والأجداد.. فقوانين المقاطعة تسري على الأبناء وتتوارثها الأجيال.. ومن يخالف فقد خرج عن طوع أهله.. وكم طفل عاش كاليتيم أو كالخادم وهو ابن عائلة معروفة وثرية.. بسبب خطأ والديه.. فبُتر من أهله وماله بلاذنب.. وكم … وكم.. !!

هناك أقدار نحاول أن نمنعها لكننا لا نملك حيلة تجاهها.. أقدار تحدث رغما عنا.. ومهما كانت مرارتها وفجاعتها فالأيام تمضي وتغير مشاعرنا..  والإنسان يكبر فيضعف ويرق قلبه وينسي.. ثم يشتاق ويحن .. لأن الأصل فينا هو الخير والطيبة.. وقد نكتشف أن الذين قطعناهم كانوا أفضل من الذين قربناهم..  أنهم جواهر نادرة لكننا تكبرنا عليها.. أنهم أصيلون لدرجة أنهم لم يتخلوا عنا.. هناك أقدار يجب أن نتقبلها.

أنا كإنسان لا أريد من كل الناس أن يحبوني أو يصادقوني لكني أحتاج أن يحترموني.. فيعاملوني بشكل جيد.. وألا يتطاولوا على الحدود التي بيننا كبشر..  وإذا غضبوا مني فلا يقطعوني أبدا.. بل أن يبقوا النوافذ مفتوحة والأبواب مواربة.. وخطا للرجعة..

الذي يقطع علاقاته بالناس يعيش في سجن بلا زنزانة.. ويعيش الشتات الداخلي.،. ويعاني الوحدة بصمت..  سواء كان يعرف هذا أو يختبئ في اللاوعي منه.. رحمك جزء منك تظل تشعر تجاهه بالحنين مهما غادرك سنين.. وتشعر بالسعادة والاكتمال كلما اجتمعت به..

لا تقطع علاقتك بأي إنسان بالأخص قريب،. أو أخ صديق..

لأنك بذلك تقطع فرعا من حياتك..

مهما حاولت أن تستر الفراغ أو تداريه بعلاقات جديدة.. مهما حاولت أن تلهي نفسك فإن الحقيقة تظل ماثلة أمامك و هي أن هناك جزء من حياتك مقطوع كمشهد محذوف من فيلم .. كطريق تفرعت فجأة.. واختفى منتهى الفرع الآخر.. خلف الضباب
سيأتيك السؤال كضوء منارة بين حين و آخر:
-ماذا يحدث في المنعطف الثاني؟

من الطبيعي أن تسأل لأنه ينتمي إلى أصل فرعك.
إنه الحنين الصامت.. يتسلل بخفة ثم يختفي سريعا..
تخيّل لو كانت هناك عدة أجزاء مقطوعة.. عدة أفرع من شجرة عمرك.. أو عدة مقاطع من شريط حياتك؟؟؟
تعلم؟.. علينا أن نمسك العصى من المنتصف.. أن نحاول أن نتصرف بحكمة مع كل من حولنا حتى مع من نظن أنهم مهمشون ولا قيمة لهم في الحياة.. أن نراعي من حولنا بحيث نترفع عن أكبر قدر ممكن من الاحتكاكات المزعجة..

لماذا نهتم ؟
-لأننا بشر.. نحتاج بعضنا بعضا
لأن كل شخص قُدِّر لك أن تعرفه في حياتك.. سينفعك قليلا أو كثيرا.. وستحتاجه يوما ما.. ربما يأتي يوم ويصبح الذي قطعته هو الشخص الوحيد الذي يمكنه مساعدتك في أمر عالق.. لكن كبرياءك لن يسمح لك بالتواصل معه.

الجزء المقطوع قد يثير ألمنا عندما نفكر فيه دون تزييف لأبصارنا.

-لقد فقدنا شيئا كان جزءا منا.

لا تقطعوا أحدا حتى لو قطعكم

^ نصيحة مني ….

فليظل الحب في الله للجميع .. مهما كان ومهما صار.. مهما أخطؤوا أو ابتعدوا …
جميل أن نظل صادقين.. مخلصين.. أوفياء ..
لكل من عرفناهم في طريقنا مدى الحياة.

 افتحوا نوافذ قلوبكم.. عانقوا أشجار صلاتكم وأرحامكم.. استمتعوا باخضرارها فيكم .. ودعوا بلابلكم تغرد..

رأيان حول “بلبل

اضافة لك

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑