أساور



الأناقة لا تتطلب شراء فساتين جديدة

كوكو شانيل

في إحدى فعاليات المدرسة جاورتني جدة إحدى الطالبات..  حضرت نيابة عن ابنتها الموظفة.. سريعا ما تأقلمنا وتجاذبنا أطراف الحديث.. وأخذت تشكو إلي بأسلوب لا يخلو من طرافة وعفوية الجدات.. عن الحِمل الذي يثقل عاتق ابنتها.. التي تسكن في (الشارقة) وتعمل في (دبي).. وتأخرها في العمل حتى المساء.. وبيتها الذي تحت الإنشاء.. والديون المتكالبة.. ورغم المصاريف الكثيرة إلا أن الأب مشغول بعمليات التجميل والتنحيف وجلسات المساج والليزر.. لم أتمالك نفسي من الضحك.. رغم تعاطفي الشديد معها..  وتحسري على الأب الذي يعيش الرفاهية والبذخ الظاهري..

الأمر مضحك مبكي.. أصبح الرجال ينافسون النساء في الاهتمام بالمظهر.. أنانيون إلى حد ما.. يدفعون بنسائهم للكد والتعب في حين لا يتوانون عن صرف الآلاف شهريا في أمور ثانوية إن لم تكن تافهة.

أمعن الناس كثيرا في المظاهر دون أية قيود أو حسابات..

أتحدث عن أولئك الذين رأس مالهم راتبهم الشهري فقط.. ونشؤوا في بيئة لم تعرف العلامات التجارية العالمية.. ومع ذلك ينافسون المشاهير.. ويتنازعون آخر خطوط الموضة.. ويركبون السيارات الفارهة.. ويتهافتون على أحدث الهواتف الذكية.. وقد يستدينون من أجل الرفاهية..

أتحدث عن موظفة راتبها ٣٠٠٠٠ وتأخذ من زوجها مصروف ١٠٠٠٠ شهريا لا يتبقى منه شيء نهاية الشهر… يهدر على المظاهر.. والمطاعم .. والمجاملات..

عن موظفة راتبها ٢٠٠٠٠ وتشتري حقيبة بـ ٢٥٠٠٠ تسحب الراتب كاملا من أجل شراء حقيبة واحدة.

عن أولئك الذين يستدينون من أجل السفر والاستجمام.. عن موظفة راتبها بسيط وتشتري ساعة رولكس.. عن التي تدخل في جمعية كي تشتري حذاء (ماركة)..

مهلا ليس هكذا تدار عجلة الحياة

هذا بذخ مصطنع.. وأبهة مزيفة.. وإفلاس في الذات

و عندما يزداد البذخ عن حده تفسد الأذواق.. فبعض النساء تبدو في (المول) كأيقونة عرض في مهرجان.. الناس تلتفت إليها تعجبا وهي تحسب أنه إعجابا.. ثم ما حكاية الحواجب المرسومة الساطعة كالحذاء الملمع بالشمع؟!.. والرموش التي تبدو كصدفتين تغلق وتفتح؟!.. والعبايات التي قصرت وكأنها انكمشت أثناء الغسيل؟! والحذاء الذي بثلاث طوابق؟! وعلى فرض أنها جميلة.. أهي مناسبة (للمول).. لهذا المكان المزدحم.. لعملية المشي والتبضع..؟!

لكل مقام مقال يا جميلات..

ليس الإسراف في اقتناء ساعة بمئة ألف.. تظل مع صاحبها سنوات العمر.. ويتوارثها من بعده.. إنما في (الكوشة) التي تكلف المبلغ نفسه من أجل ساعتين.. يدفع ثمنها الموظف الشاب الذي لا يمكن أن يتزوج دون مساعدة ذويه.. بسبب المظاهر التي لا تفيد العروسين ولا حتى المدعويين.. مئات الآلاف تهدر من أجل كلام الناس ورضاهم.. كان الأولى أن تعطى للعروسين كي يبدآ حياتهما الجديدة..

وليس الإسراف في سيارة بنصف مليون إذا كنت ابن مليونير أو ملياردير..  إنما في الموظف الذي من أسرة متوسطة ويشتري سيارة (رولز رايس) وهو في عامه الوظيفي الأول..

وليس الإسراف في سوار (كارتير) يزين معصم  بنت العز والدلال.. إنما في التي ترقت البارحة فصارت اليوم تتزين بثلاثة أساور منه.

كم من الإكسسوارات الباهظة شغفنا بها فاشتريناها.. لبسناها ثم شبعنا منها ونسيناها في الخزانة.. في النهاية.. مهما تشتري فإنك لن تلبس إلا ثوبا واحدا ولن تنتعل إلا حذاء واحدة..

وليس أسوأ من أن تتعامل مع هذا الصنف فتتفاجأ بدنو أخلاقه وقبح معاملته.. وبذاءة ألفاظه..  أي فخامة في قيادة (رينج روفر) وهو يهين عامل النظافة..  وأي جمال فيمن أحسنت وضع (الكونتور والإضاءة) وتتعامل مع العميل بوقاحة.. (يا شين السرج عالبقر).

حتى (بعض) طلاب العلم لم يسلموا من هذه المظاهر وصاروا يقلدون العامة..  في حين كان ينبغي لهم أن ينكبوا على كتبهم وكراريسهم للدراسة والتدوين ونشر العلم والسنة.. وأن يكونوا مثالا يحتذى..

لا أحلل حراما ولا أحرم حلالا .. لنأكل ونشرب ونلبس.. لكننا بحاجة إلى ثقافة إنفاق.. والثقة بأنفسنا وجمالنا الحقيقي.. وتفنيد حاجاتنا.. والعيش بطريقة متوازنة مع محيطنا وأنفسنا.. وأن نشتري ما يكفينا.. وأن نقتنع أن قيمة الإنسان في جوهره..

فالبذخ عواقبه وخيمة على المجتمع.. حيث لا بد أن يتعرض المرء لظروف يحتاج فيها مبالغ من المال..  والتصرف بهذا الاستهتار لن يكوّن أسرا مستقرة.. وكثرة المشتريات تعني المزيد من النفايات مما يؤثر على البيئة والصحة.. وتضخيم المظاهر يفقد المرء المعاني الأصيلة.. ويتعقد التواصل بين الأفراد بسبب أننا نريد التنافس في الاستقبال وفي المجاملات..

وأكتب للأمهات خاصة.. طفلك ليس بحاجة إلى بدلة (فندي).. ولا حذاء (ديور).. ولا حساب في الانستجرام.. تعرضين فيه ملابسه ومقتنياته وأين يتواجد..   إنه بحاجة إلى تعويض ساعات غيابك عنه.. بحاجة إلى أن تحمميه بسعادة.. وتطعميه بحب.. وأن تأخذيه في حضنك الدافئ كلما شعر بالنعاس.. كما أنك بحاجة أكثر منه.. أن تستمتعي بالأمومة.

نحن بحاجة إلى مشاعر ومعان تجمعنا بمن حولنا.. أن نتمسك بعاداتنا وقيمنا الأصيلة.. أن نتحلى (بالذرابة والسنع).. أن نخرج من إطار العيش في الإعلانات.. إلى بساطة المجتمع الإماراتي..

الذوق والإتكيت الإماراتي… أجمل من كل الماركات.. وأوضح مثال على هذا هم حكام الإمارات.. تأملوا ماذا يلبسون.. وكيف يفترشون الأرض.. ويأكلون بلا ملاعق.. ويزورون الجميع رغم مهامهم … معتدلون رغم ما يملكون.. يعيشون كبقية الشعب..

مهما بالغت في الثراء.. وارتدت مراكز الاسترخاء.. لن تشعر بالسعادة والهناء.. إنها مثل الإبر المخدرة.. تخفف قليلا وتعطي راحة وقتية.. لكن يظل شيء في الروح لايسكن ولا يستقر.. إلا بين آيات الله- ﷻ .. إلا أن تطمئن ساجدا بين يديه -ﷻ  وتبكي كثيرا ..

إلا في القرب أكثر من الله -تعالى-

رأيان حول “أساور

اضافة لك

  1. أصفق بحرارة لك أثيرتي
    فما بين السطور عظات ونصائح ، لكم أتمنى أن نستوعبها جيدا لا أن نفهمها فقط…
    لا فض فاك ، أمسكت عصى الأمور من المنتصف بطرحك هذا …
    رائعة كما هي العادة ❤

    Liked by 1 person

اترك رداً على الأثيرة إلغاء الرد

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑