بيوت


ما هو البيت الذي تتمنى أن تسكنه؟ 

أهو بيت ريفي محاط بالشجر والأنهار؟ أم هو بيت فسيح فيه الكثير من الأنشطة كصالة جيم وساونا ومسبح وسينما؟ أم هو كوخ صغير في جبل شاهق ككوخ هايدي ونعجاتها؟ أم منزل مطل على أمواج المحيط حيث تغيب الشمس؟

يبحث الإنسان منذ الأزل عن مأواه، تماما كما كان يبحث عن طعامه وشرابه وكسائه، حتى الحيوانات لها بيوت تأوي إليها وتحتمي بها، كل شيء في الحياة له مكان، كذلك الجمادات إذا لم يكن لها حيزها الخاص سيتحول المكان إلى فوضى لا تُحتمل، حتى المهملات تكب في حاويات، لا شيئ في الحياة إلا وله بيت أو خزانة أو علبة أو زاوية فما بالنا بالإنسان؟ 

أتساءل إن كان اسم (البيت الحرام) له علاقة بالسكن الروحي؟ فهو رغم تواضعه له قيمته الجليلة وقدسيته العظيمة وهيبته المهيمنة، هو سكن ترتاح إليه الروح وتعشق جواره وتتمنى ولوجه ولو مرة.. ولو حلما.. نسجد تجاهه كل يوم لنشعر بالسكينة التي لا يمكن أن نجدها في شيء آخر.. فهل هو بيت الروح؟ 

البيت هو المكان الذي يدخله الإنسان بلا استئذان، يبيت فيه، ويعود إليه، ويبقى فيه جلّ أوقاته.

يفترض أن يجد كل منا راحته في بيته وليس في مقهى أو في فندق أو ملهى، لا بأس من النزهات  لكن كم نسبتها مقارنة بفترة المكوث في المسكن، أن لا تجد  السعادة والراحة إلا خارج البيت فهذه مشكلة حقيقية ستؤثر حتما على حياتك وصحتك النفسية والبركة في وقتك وعلاقتك بأهل بيتك، ليس من الطبيعي أن يظل الإنسان طوال يومه في الخارج إلا إن كان في مقر عمله.

 عندما يتحول المنزل إلى نُزُل .. مكان للنوم.. الاستحمام .. الطعام فقط .. ستصاب حتما بالاكتئاب، فكثرة الخروج من البيت تشتت الإنسان وتوتره، لأن البيت هو الأساس هو (السكن).

كم نفتقد أن نقضي أوقاتنا معا، مع العائلة والأبناء، نتشارك النشاطات مع بعضنا داخل البيت، نطبخ، نشوي، نمارس نوعا من الرياضة، نصلح الإنارة، ننظف فناء البيت، نشاهد البرامج، نلعب، وإن كنا نسكن بيتا كبيرا فيه من الخدم والحشم فلا نجعل هذه النعم تفقدنا نعمة العيش كعائلة واحدة في منزل واحد. 

ليتنا نعود لنلتقي بالأصدقاء ونجتمع بالأحباب في البيوت، ونأكل معا فيها مما يطبخ على موقدنا، بدلا من المطاعم والمقاهي التي تزدحم بالناس؟!

نحن بحاجة إلى بيوت حقيقية بعيدا عن الصراخ والتشاحن، الغيبة والنميمة، بيوت يسودها الاحترام المتبادل، الأدب في الكلام والسلوك بين الجميع، وهي التي تبدأ من الآباء، الذين يعلمون الأبناء كيف يظلون مترابطين، ويتركون لهم إرثا جميلا من الذكريات المشتركة، وزخما من الأمنيات التي تلون يومهم ومستقبلهم.

لقد انشغلنا كثيرا بالمظاهر والتباهي والبذخ في العمارة والتهافت على كل جديد فيها.. في حين أن البيوت الحقيقية لا تقاس بحجمها ولا زخرفها.. البيوت تقاس بقيمتها العاطفية .. بالدفء .. بالأهل.. بالمحبة.. ببيوت يملؤها الدعم.. تملؤها الأحلام .. 

                                       هكذا تقاس البيوت.

ملأ الله بيوتكم بالسعد والوئام

كل عام وأنتم بخير

رابع أيام عيد الفطر ١٤٤٦هـ

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑