المزيفون


    من الهبات التي منّ الله – تعالى- عليّ..  حسن الإلقاء والخطابة، حيث كانت من المتعة لديّ أن ألقي المحاضرات، أن أقف وسط غرفة الفصل لأشرح الدرس لطالباتي، أن أكون عريفة الحفلات، ومقدمة الإذاعات المدرسية، وقد نلت استحسان الكثيرين وتفاعلهم، وحصلت على كم من الهدايا والشهادات التقديرية.

وفي لحظة مصارحة مع نفسي تساءلت..

،،

– هل أستحق أن أعتلي المنابر وأتصدر المجالس؟

ثمّ ماذا بعد هذه المحاضرات المؤثرة…؟

بعدما ألقيت المواعظ وكان لها صداها ومداها.. ؟

من أنا التي تقف أمام هذه الواجهة.. من تكون؟

وإن كان الكلام من القلب .. ومؤثرا جدا، ثم ماذا؟ ماذا بعد هذا الخط .. وماذا يليه؟

-الذي يليه : لا شيء

وإنها لمسؤولية وعليها تبعات ..

    طالب العلم الشرعي أو الشيخ أو عالم الدين لابد أن يكون له سمت.. لا بد من الترفع عن تصرفات وشكليات لا تناسبه وإن كانت تجوز أو تليق بعامة الناس.. وأنا لم ألج بعد هذا المستوى..

    وليس مقبولا أن يكون المتحدث فاقدا للشيء الذي يدعو إليه.. صحيح أن الخروج للجمهور لا يتطلب المثالية أو التصنع.. لكن هناك أمور لايمكن أن أستوعبها..  كأن يقدم أحدهم محاضرات تربوية وبيته وحياته في أسوأ حال، -نسأل الله العفو والعافية-.

،،

-إذا كنت تربويا وأبناؤك ألفاظهم بذيئة أو سلوكهم منحرف، فأنت مثال سيء لمستمعيك أو متابعيك أو جمهورك..

قد نتقبل أن يكون مستواهم متوسطا في الدراسة والأخلاق.. ولكن منحرفون!!

صعب علي استيعابها..

أين أنت عن أسرتك وأبنائك؟ هل أنت مجرد كلام شكلي لجلب الشهرة والوجاهة والاحترام؟ فقط تتكلم دون تطبيق!…

     للأسف هناك ممن يسعى لتحقيق ذاته بهذه الطريقة المخادعة.. هؤلاء مجرد شكل.. وواجهة أسوأ من واجهات المحلات التجارية.. لأن الأخيرة تجد في داخلها ما تراه في الخارج.. أما المتكلمون المزيفون فهم يقولون مالا يفعلون.

     ومثله الذي يدعوا للنفير والجهاد ثم بعد أيام نراه يستجم في تركيا.. ونجد أبناؤه يدرسون في أوربا ويلبسون الماركات العالمية.. يعيشون حياتهم بكل راحة وسعادة.. أما توجيههم لأبناء المسلمين..  “ثوروا.. قاتلوا.. أفسدوا”… ثم ينادون بالحكومات.. أين الحكام لا يأتون للإصلاح والإغاثة والتبرع والبناء؟!

 يدعو للخراب والإفساد.. وينتظر غيره يصلح  ويبني!!

الغريب..

أن مازال الناس يسمعون لهؤلاء!!..

ومازالوا يدافعون عنهم!!..

هذا الشخص الذي يظهر أمامكم .. أنا أيضا أستطيع أن أكون مثله.. أن أسرد قصصا مؤثرة.. وأن أؤجج الصدور بكلمات رنانة..

لكن ماذا بعد هذا؟

ومن أنا؟

    هل كل من طلع وهب ودب في وسائل التواصل الاجتماعي أو الإعلام  وابتسم ابتسامة وأطلق لحيته… آخذ منه علما أو خبرا.. ودليل زيفهم أنهم متناقضون مع أنفسهم.. والذين يتبدلون مع الظروف وتصاريف الدنيا لا جوهر لهم ،، هم مجرد انعكاس لما حولهم،،،

،،،

من العجب أننا:

إذا أردنا أن نبني بيتا نتوجه إلى المهندس..

وإذا احتجنا علاجا نذهب إلى الطبيب..

ونخيط الثوب عند الخياط..

وإذا طلبنا وجبة نسأل الطاهي..

ولإصلاح الدولاب نحضر النجار..

وهكذا دواليك في كل شيء نعطي الخبز للخباز

لكن في الدين نتفلسف ونفتي على هوانا!!

متناسين أن هناك من هم متخصصون في الشريعة الإسلامية..!!

وعلى فكرة.. دراسة الشريعة من أصعب التخصصات.. لأنها تحتاج إلى ذاكرة كبيرة.. وحفظَة على مستوى عال من الذكاء.. وفطْنة لتستوعب الأحكام والاستنباطات.. ووعيا لغويا واجتماعيا ونفسيا..

فعالم الدين رجل مميز وجليل.. تكبد مشاق العلم.. وتجرع الصبر.. وزهد في الدنيا.. وباع حياته ليشتري فقها وعلما..

والفتوى عندما تخرج من لجنة الإفتاء ليست خبط عشواء.. ولا تعتمد كتابا واحدا أو مذهبا واحدا.. بل ترجع اللجنة إلى كل الكتب في الإرث الإسلامي ويبحثون فيها عن أصح وأقوى الأدلة حتى تخرج كلمة :

حلال.. أو حرام.. أو مستحب… إلخ

لا يأتي المفتي بها من عنده.. وإذا لم يعرف قال : لا أعلم

نعم هكذا ببساطة ودقة.. دون تزييف أو تشدق أو تعالم

      وبالمناسبة كل شيء في الدين حلال.. باستثناء أشياء بسيطة جدا..، الإسلام لم يأتي إلا لتعيش حياتك بشكل صحيح، فهو دليلك فيها.. تماما كملحق الدليل والتعليمات الذي يأتي مع كل منتج..  الدين من أجل أن يسعدك وليس ليشقيك.. وما حرم عليك شيئا إلا وفيه ضرر عليك صحيا أو نفسيا أو اجتماعيا..

    لكن هناك من لا يقتنع حتى يأتي أحد الأجانب أو ممن أسلم حديثا ليثبت أضرار ما حرمه الإسلام!.. لا يقتنع حتى يخرج أحد العلماء في الفيزياء أو الكيمياء أو الفلك ليثبت أمورا موجودة في الكتاب والسنة!.. أما أن ينزل عليه كلام الله -تعالى- فيقول سمعا وطاعة فلا.. لابد من الفلسفة والعناد..

،،

-لماذا..؟!

أنت مؤمن بالله -تعالى- أم لا؟!

أنت مؤمن بكتابه أم لا ؟!

إذا كانت لديك بعض التجاوزات وأنت تسمع ما حرمه الله -تعالى-

لا تبرر الخطأ.. وتطعن في العالم.. وتنعته بمسميات غريبة.. وتستخف بالشريعة..  وتدافع عن الحرام..

قل شيئا واحدا فقط

قل: “الله يهديني ويصلحني”        

،،،

افتحوا عيونكم.. وحركوا عقولكم .. كونوا منصفين مع أنفسكم.. صادقين مع ربكم.. وخذوا العلم من العلماء ومن أهل الاختصاص الحقيقين..

،،،

كي نرقى وترقى معنا الأوطان

علينا أن نعطي كل ذي حق حقه

ونفند الحقيقي من المزيف

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑