البعيد عن العين بعيد عن القلب


الدنيا فيها اللقاء و الفراق كما هو الحال مع كل مفارقاتها
نلتقي .. نقترب .. نندمج .. نحب
أو نحب أحيانا قبل اللقاء
و نحب أحيانا لو لم نلتق أبدا

ثم نبتعد أو نفترق …. رغبة منا …. أو رُغما عنا

و كانت الأيام و لازالت كفيلة بالنسيان
و علاجا لم أراد التغيير و النسيان

الأيام تنسينا عبر السنين … المرارة ..و الآلام … و الأحقاد … و الظلم … و المكابرة ……
و الود شعور كغيره من المشاعر يتأثر بتعاقب الأيام

هذه امرأة
كان زوجها أرضها و سماءها
رفيقها في البيت و العمل
ظلها في النهار و الليل
ودها الأول و حبها الأمثل
توفي في حادث مؤلم
فاكتست دنياها وشاحا أسودا
مرت الأيام
و انمحق السواد
و حل وسط قلبها و دارها زوج آخر
ملأ دنياها ألوانا من السعادة
أين الحزن الأسود ؟
أين زوج كان خلا و ودا و ظلا ؟
صار ذكرى جميلة … تستحق الدعاء .
لكن هل عاد القلب يخفق بوده كل يوم كما كان ؟!

و هذه صاحبة رفيقة حبيبة
لازمت صاحبتها في الليل و النهار
في الحل و الترحال
في الأنس و الأحزان
دارت الأيام .. و افترقتا عند مفترق الطريق
كل اختار مستقبلا مختلفا
ماذا حل بودهما بعد الفراق ؟
ليالي أسهدت بمدامع تسخن الأحداق
أيام تأججت فيها المشاعر بالشوق الدفين
و ظلت الذكرى لا تفارق الأرواح
لكن بعد أعوام ..
كم تتذكر ؟؟ مرة في الشهر ؟ مرة كل شهرين ؟
أم كلما فكرت بترتيب خزانتها
فتظهر .. بطاقات و هدايا يعلوها الغبار
لتسرح في لحظات حالمة تحمل ذكريات كانت و رحلت ؟؟
تحتفظ ببعضها و تتخلص من البعض الذي لم يعد له مكانا بين أرفف الذاكرة و حنايا القلب
كم تتذكر إحداهن الأخرى على مدى الأعوام ؟
مجرد لحظات سريعة خاطفة
ثم يعود كل شيء إلى عجلة الحياة
كل مشغول بحياته و أهله و ماله … و علاقاته الجديدة الحاضرة

نفترق فلا نلتقي أبدا
أوقد نلتقي بعد غياب .. في سويعات نجدد فيها عهدا مضى
و نتذكر اللحظات التي عشناها معا بسعادة و حب و صفاء
و نشعر أننا نحب
و لكن هل يمكننا حينها أن نحب بعضنا كما كنا حقا ؟
كل ما نفعله أننا نتذكر فقط .. و ننتشي بالذكريات
و ينتهي اللقاء
يظل أثر اللقاء عبقا في النفوس
و ما يكاد ينطوي أسبوع أو أكثر حتى يتلاشى عبق الذكريات في الأثير

و ليس كل لقاء كهذا
هناك من نلتقي بهم بعد السنين
فنجدهم ليسوا كما عهدناهم
غيرتهم الأيام ….
فمن هو قد ارتقى … و من قد دنا
و من قد كبر … و من قد صغر
و من صار يقدس الحب أكثر
و من صار يعتبره عارا بعد هذا العمر

نبحث عن ود في أرواحهم فلا نجده
نجالسهم فنشعر و كأننا ما عرفناهم و ما التقينا بهم قط
نتمنى لو نحبهم كما كنا و يحبونا … فننصدم بحقيقتهم
ثم نتمنى لو أننا ما التقينا ثانية
لتظل صورهم في ذاكرتنا بذات البريق الذي كان
لكنه انطفأ

لأن الحب ليس دفقة قلب فحسب
الحب ينمو بمقومات نفسية و اجتماعية و عقائدية و روحية و ذهنية

ربما في ظرف ما التقينا بحب
بعدها تمر الأيام … و تتبدل الظروف … و تتبدل النفوس
فيتبدل الحب

إذا ليس كل لقاء بعد غياب يفتح القلوب بالحب من جديد كما كان
و السبب
أن البعد و الأيام غيرا فينا الكثير

و دوام الحال من المحال

القلب الوحيد الذي لا ينسى حبه مهما طال البعد
بل ربما يزداد حبا كلما بعد المحبوب
و يظل يحب مدى الحياة

هو

قلب الأم

حب الأم مختلف متميز جدا
و من العبث أن نسطر فيه كلمات
لأننا مهما نكتب لن نستطيع وصفه

و في زماننا هذا.. زمن انتكست فيه الفطرة و انقلبت .. ليس كل الأمهات أمهات حقيقيات
فبعض أمهات زماننا يؤثر البعد في مشاعرهن
فتنشغل بالقريب و تهمل البعيد

قيل : البعيد عن العين .. بعيد عن القلب
و أقول : البعيد عن القلب … بعيد عن العين و القلب و الروح

فكم من محب يود لو يجد له مساحة من الود في قلب محبوبه
فيحاول بكل الوسائل و السبل
و يمد كل جسور الود
و يصبر على حر الصيف و برد الشتاء
لكن .. القلوب بعيدة جدا … فلا ود و لا احترام و لا شيء
يبتعد هو الآخر
يرحل بآلامه و يهاجر بعيدا عن دائرة من يحب
و تمر الأيام و السنين
تشغله الحياة بمشاغلها
و ينسى
و إن مرت في خافقه ذكراه يوما
تبسم هازئا .. و يقول في نفسه :
كان من السخف قرع أبواب القلوب البعيدة
نسي وده .. و النسيان من أجل نعم الله – تعالى – علينا

الأيام كفيلة بالنسيان
و مداواة الجراح
و تغيير النفوس
و غسل الأرواح

البعيد عن العين … بعيد عن القلب
ما قالها الأجداد عبثا ..

لأنها

عــــــبارة صحيـــــــحة 100%

 

 

 

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑