حتى يرحل ..


عذرا لأنني لم أرك بهذا الجمال حتى رحلت.. لم أستمتع بروحك اللطيفة كما ينبغي.. لم أتعرف على حنان قلبك الكبير جيدا.. لم ألتفت إليك كثيرا بسبب صمتك الهادئ.. كم كنت غاليا وكم ألهتنا الدنيا.. نحن أنانيون ولا نفهم الدرس إلا بعد فوات الأوان .. نعيش في غفلة .. ونجري في الحياة .. نسابق الزمن.. في اتجاهات أسهم لا ندري من وضعها.. قد تروق لنا .. وقد ننكر بعضها لكننا نعتادها فيما بعد.. وإذا توقفنا عند شرع الله -تعالى- بدونا غريبين.. معقدين..

لاهون لاهثون مع كل جديد.. مع ساعات العمل الطويلة.. والواجبات المدرسية التي لا تنتهي.. والتباهي بالملبس والمأكل والمسكن.. وعرض أخص تفاصيلنا الخاصة لأعم العامة .. هانت علينا النظرات المحرمة لأننا اعتدناها.. تلوثت آذاننا بالمعازف لأننا نريد سماع مقطع قصير ..أو أن نلعب لعبة إلكترونية.. أو أن نشاهد فقرة.. ثم تلقينا كل العقائد والمذاهب والأفكار الضالة.. وظهر جيل هجر السنّة وتمسك بالخيط والحجر.. وانتشر دين البوذا في إطار إسلامي.. وظهر الإلحاد.. وصار الأبناء يقاضون الآباء..

ليس هناك وقت لنستمتع مع أطفالنا دون عجلة.. لنستلقي بجوارهم مع قصة.. لنلطخ أيدينا مع ضحكة.. أو لننظر في عيون أقاربنا طويلا.. ونصغي إليهم بقلوبنا.. ونتعاطف ونتعاون ونتعاضد.. لا وقت للشفقة على آبائنا لأننا مقتنعون أنه عليهم أن يبذلوا كل ما تبقت لهم من صحة وينفقوا كل ما لديهم من أجلنا..

ليس هناك وقت لأي شيء.. مشغولون جدا.. ولا أدري بماذا.. حتى يرحل أحدهم فنصدم.. بأن للحياة وجه آخر.. والدنيا دنية وهناك حياة آخرة.. ونصلي وكأننا آمنا للتو وندعو بقلوب جديدة.. ونرتل القرآن وكأننا ما عرفناه قط.. نصدم وندرك حين رحل كم فرطنا في قربه.. وكم سرقتنا الحياة منه ومن أنفسنا ومن الغالين علينا…

٨:٣٠ صباح الأربعاء

٢٣/١/٢٠١٩

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑