عامها الثاني عشر


-اليوم أتمت (سلام) عامها الثاني عشر… 

هكذا تبادر إلى ذهن (أم سلام) عند استيقاظها من النوم، التفتت نحو النافذة باسمة وهي ترى وجه صغيرتها كيف يبدو، ومن تشبه ممن حولها، وكيف بدت تتدرج إلى عالم الفتيات وتترك الطفولة، قالت في نفسها: – لا شك أنها أجمل من الجميع.

 أسرعت لإيقاظ أبنائها والاستعداد للمدرسة، كل صباح تودعهم عند مداخل الأقسام، وهي تتلفت نحو قسم الصف السابع لتري (سلام)  وهي تدخل الممر مع أقرانها بنشاط وبهجة، هاقد بدت عليها علامات البلوغ، ظلت ترمقها باسمة ولكن سرعان ما اغرورقت عينيها بالدموع.

عادت إلى مواقف السيارات وهي تسترجع لحظات ولادتها، تتذكر  مع ( سلام ) أول مرة تشعر بأعراض الحمل، وأول مرة ينتفخ بطنها، وكيف كانت تصحو من النوم لحركة في أحشائها، وتشعر بجنينها يتفاعل مع يدها، أول مرة تعرف معنى الولادة، وأول مرة (مبروك أصبحت أما).… 

وظلت تسترجع ذكرى الولادة أثناء عودتها إلى البيت بأدق تفاصيلها، وهي تشعر بكم الحب الذي يتدفق في قلبها تجاهها، لأنها غيرت منها لتجعلها قوية وصبورة وتزيد من إنسانيتها،  وتظن أنه أنانية منها إذا ما فكرت بأن الله -تعالى- أرسلها من أجلها فقط، من أجل أن تعيد تشكيل شخصيتها، ولتؤمن أن الحياة تستمر رغم كل شيء، لا مستحيل أبدا.

        رفعت هاتفها ونشرت مقولة (اكتور):

لم تتجاوز أختي عمر السادسة عشر قط حينما ماتت..

     إلا أن أمي قالت بينما نتناول الحساء بصمت 

           “ اليوم تتم مارتا عامها الخمسين”

وعلقت تحتها بعبارة (اليوم تتم ابنتي عامها الثاني عشر)

   لم تمض لحظات حتى وصلتها الرسائل لتهون عليها هذا الاجترار للماضي والأحزان وتعذيب النفس، وعدم التفكير فيما مضى، فملايين الأمهات تفقد مواليدها الرضع، والله عوضها بالكثير.. ولكن لم تعرف (أم سلام)  كيف ترد عليها.. قالت في نفسها: 

-الأم تفكر بالقلب.. والناس تفكر بالمنطق.. 

،،،

في يومها الثاني عشر توفيت (سلام).. ولم يكن لأمها سوى الحمد والرضا ولكنها كانت متأكدة أنها ستبقى موجودة معها كل ليلة إلى الأبد.

قالت ذات مساء:

-،لا.. هي لم تولد لتوضع بعد أيام تحت الثرى.. هي ولدت لتكون ابنتي البكر، صديقتي التي قلبت شخصيتي تماما…  هي حية في قلبي لم تمت ولن تموت.

رغم أنها رحلت منذ اثنى عشرة سنة إلا أنها ظلت تنمو في قلب أمها يوما بعد يوم،  لم يكن يراها أحد سواها، ولم تكن تستطيع الإفصاح عن خيالاتها للآخرين، كيلا تدخل في جدال ووعظ لتشفق على نفسها من هذه الخيالات، كثير من الأمهات تنسى لكن (أم سلام) ظلت مرتبطة بمولودتها الأولى، وتعلمت منها الكثير في درب الحياة الدنيا، حاولت أن تستمع لنصح الآخرين لكنها لم تستطع، فكل بنات مواليد ٢٠٠٦ يذكرْنها بسلام، كل المواليد الرضع، كل فستان تراه في السوق بمقاس هذا العمر.. أشياء كثيرة تذكرها بابنتها، مشاعر كبيرة وعميقة تحدث في قلب الأم، لا يفهمها الآخرون.. 

الإنسان لا يملك قلبه، هناك أشياء لا يمكن نسيانها أو تجاهلها، وإذا ما تصنع التجاهل ودفنها لابد أن تظهر على السطح يوما ما، في قلب (أم سلام) كم من المشاعر الحبيسة التي لا تعرف كيف تعبر عنها، في النهاية كل إنسان يشعر بألمه وحده مهما تعاطف معه الناس.

،،،

إلى التي رحلت بسلام كما جاءت بسلام 

أهديها كلماتي في عامها الثاني عشر.

رأيان حول “عامها الثاني عشر

اضافة لك

  1. من اروع وارقى ما قرأت💗..لامست اهداب المشاعر..وهيجت شجونا ساكنه..واستحضرت سلام من خيال الكاتبه الى خيالنا..اقرأ بعيناي وبقلب أم سلام💔…اللهم اربط على قلب كل ام ثكلت وليدها وبارك في ابناء الامة يا رب

    Liked by 1 person

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑