دبيب الغرور


يا ربِّ غفرانك إنا صِغارْ … ندبّ في الدنيا دبيبَ الغرورْ

إبراهيم ناجي

حاول أن يبدأ صباحه ببهجة.. كوب قهوة.. ومذياع.. ثم يغمر نفسه في مهام الوظيفة.. وعند منتصف الظهيرة يعود وسط ازدحام الشوارع.. ولكي يخفف عن نفسه لا يتوانى عن مشاهدة المقاطع تلو المقاطع في هاتفه الذكي.. صخب المعازف يتصاعد إلى أذنه.. ومشاهد المتبرجات العاريات صارت عادية جدا.. بل لم يعد القلب ينكرها..
كم من الأمور لم تعد القلوب تنكرها.. تتراكم الخطايا والذنوب ذرة ذرة.. عودا عودا.. وتتراكم.. ويضيق الصدر منها.. وهو مازال يبحث عما يبهج يومه ويريح روحه المثقلة.. يفكر في غداء يستمتع ويمتلئ به.. فتلبية شهوة البطن قد تمنحه السعادة.. لا يعجبه غداء البيت فيتصل بمطعم تشتهيهه معدته.. ثم يستلقي طويلا يعبث بهاتفه.. مشاهد كثيرة تمر على عينيه.. أذنيه.. قلبه.. لا شيء مسل.. يبحث عن الضحك.. الضحك حتى إن كان على شخص يتألم أو طفل يتوجع.. يغفو بعدها حتى قبيل المغرب ليصلي العصر بكسل وتثاقل.. ثم يخرج بلا وجهة بحثا عن التسلية.. مع رفاقه حيثما اتفق.. سينما.. مقهى.. أي مكان.. والأحاديث هي هي.. سياسة.. رياضة.. نكت.. لغو.. غيبة.. وسخرية بقصد الضحك..                        وعند منتصف الليل يعود جسدا ثقيلا.. وروحا خاوية.. ثم يستلقي على سريره.. وحتى يستسلم للنوم يتنقل في وسائل التواصل الاجتماعي.. واليوتيوب.. والوتسآب.. للحظة يشعر بشدة الجفاف في قلبه.. فيسمع للسديس.. ثم يغمض عينيه باكيا حزينا..
عم الظلام وساد فيه الهم والغم.. مشاكل حياته كثيرة كثيرة.. لكنه يحاول أن يعيش.. أن يهدي نفسه شيئا يبهجه.. لكن لم يفكر أن يدعو خالقه من قلبه أن يرحمه ويلطف به.. ويغفر خطاياه..
النفس حائرة.. تاهت بين الدروب.. والقلب يطرق الأبواب والنوافذ.. وينتظر طويلا في الخارج.. يئن ويبحث عن الأمان ولكن لا يجده في مكان.. وفي كل مرة يعود بنفس تتعايا.. لا يدرك حيرته .. الدموع تتساقط من عينيه.. ولا يدري ما السبب.
الذنوب كثيرة لكنه يتهرب منها.. بالشهوات واللهو والعمل والسفر.. والاختلاط بالناس.. والعلاقات المحرمة.. والخوض مع الخائضين في كل قناة ومجال.. كم النفس بحاجة إلى السكينة.. أن تشعر بالعبودية المطلقة لله -تعالى- فتنتشلها من الدنيا وكل همومها وأحزانها.. كم النفس عطشى للقرآن والذكر لتقرأ فلا تحزن.. لتتلو فترتاح وتسعد.. لتتدبر فتروى.. ماذا فعل بنفسه ؟كم أهملها!.. وكم بحاجة لخلوة تجمع شتاته.. وتعيد توازنه.. وتلم شعثه.. وتكمل كيانه المنهك.. الذي تساقطت أشلاؤه شيئا فشيئا.. ونسي أن يجمعها… فاته الخير مرة بعد مرة فازداد خسرانا.. وأمعن في الحيرة تيها.. وقام يرقع ذاته بالتشبه بفلان وعلان.. فيما يفعل وما يأكل وما يلبس .. ولكن لم تشرق حياته.. بل الهم فيه زاد وبات يخفيه عن الناس.
مع صوت السديس يشعر برغبة عارمة ليعتمر وحده.. ويصلي بخشوع.. ويرتل القرآن.. هي الحاجات تظهر وتطفو في النهاية..
يفكر أن يتغير .. وينقي حياته.. أن يلتزم بصلاة الجماعة.. أن يتشبث بكتاب الله-تعالي-.. أن يتمسك سنة المصطفى ﷺ .. وألا يخدع نفسه بعد اليوم.. أن يعود كما كان فتي القلب والروح.. إلى خالقه.. أن يلجأ إليه ويبثه همومه التي تكالبت..
رمى جهازه.. ورفع عنه اللحاف.. أشعل المصباح.. قام يتوضأ.. ليصلي.. ليرفع كفيه.. ويناجيه.. ويسجد.. ويقترب..

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑