الصدمة الباردة


        رغم أنني مؤمنة بالله تعالى وبالقضاء والقدر وبحقيقة الموت.. لكنه عندما يأتي أجده زائرا ثقيلا .. وكأني لا أعرفه ولم أسمع به قط..

    يوثر فيّ موت الكبار.. كالعظماء والأمراء والشخصيات المهمة التي كان لها شأن في الدنيا.. أو تلك المميزة بمال أو جمال أو شباب.. فلوهلة يعود كل شيء إلى الصفر، وأشعر أن الدنيا لا قيمة لها.. وما هي إلا وهم سريع الزوال.. حلم قصير.. فقاعة صابون..

   القصور تنتهي قيمتها في نفسي وتصبح سواء كأي بيت صغير متهالك.. والأبهة تختفي مراتبها وتتلاشى هالاتها.. والقوة تخور وتصبح أثرا بعد عين.. والجمال يزول بريقه وينطفئ.. ويصبح الإنسان مجرد جسد لا مكان له سوى تحت الثرى .. وتتوجه الأفكار نحو السماء.. ومكان الأرواح.. وحقيقة الوجود.. وماهية الحياة..

     موت الصغار والضعفاء والمرضى قد يحرك فيّ العواطف والحزن لكن يمر معه في داخلي هاجس خفي: أن الموت قد يكون أرحم لهم من شقاء الدنيا.. أما الأقوياء والمميزون … فموتهم يحدث فيّ صدمة وذهولا.. كمن يسكب على رأسي دلو ماء بارد..

    من يصدق أن يحدث هذا؟! .. من يصدق؟!..

    أن ذلك الذي كان يخطو شامخا عزيزا الآمر الناهي بين رجال قبيلته.. أن ذلك الذي كان يتباهى بممتلكاته الباهظة ومركباته الفارهة.. أن ذلك الذي كان منهمكا نشيطا على مكتبه في برج يناطح السحاب..  أن تلك التي كانت كالأميرة تتبختر بثوبها وحليها الثمين في عرس أخيها.. يغيبهم الموت؟!

   من يصدق أن تلك المرأة الجميلة ذات الغنج والدلال تسقط  فجأة وسط دارها دون أي سبب.. أن ذلك الرجل ذو السلطة المهيمنة  يصبح طريح الفراش عاجزا عن الحركة.. أن ذلك الأستاذ الذي كان بالنسبة لي بؤبؤا وشخصية شهية للتندر بها يغيب بلا عودة.. أن ذلك الشاب  يخطفه الموت في حادث سير قبيل العيد.. أن ذلك الأمير الذي سافر في موكب عاد في نعشه تحمله الأيادي والسواعد.. أن ذلك الحاكم نام ولم يفق.. أن ذلك القائد توفى في غمضة عين.. أخبار عديدة تشل تفكيري وكأن الموت كان بعيدا عنهم أو لا يليق بهم بعد.. وهم في هذا الضوء ووهج الحياة… وكم يعز عليّ أن نواريهم الثرى..

    وفي هذه اللحظة الصعبة.. الفاصلة.. الثقيلة.. تظهر حقيقة الإيمان والاستسلام لله تعالى.. ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) وأسترجع {إنا لله وإنا إليه راجعون}.. وأدرك كم  كنت لاهية وللتو رجعت إلى القرار.. وكأني استفقت من نوم عميق.. وأبصرت عيني بعد العتمة.. وتأخذني حاجتي الملحة إلى هذا القرب والرجعة.. وأتمسك بالمصحف.. وأطيل المكوث على السجادة.. وأدعو.. وأبكي.. وكأن الحياة توقفت.. وكل شيء ساكن وباهت.. إلا الصلة بالله تعالي وعالم الغيب.. حيث  تصعد الروح إلى السماء وينام الجسد تحت الأرض..

والسؤال: ماذا لو كنت أنا .. أنا التي استضافها الموت ورحل بها..؟

،

لهذا

ولكي أكون متوازنة في الدنيا ومستعدة لما بعدها

عليّ ألا أنسى أهم علاقاتي في الحياة

ألا وهي:

علاقتي برب السماء

معه بصدق وحب…

بعيدا عن الذنوب،  وكثيرا.. كثيرا من الطاعات

أضف تعليق

قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑